ابن رشد
266
تهافت التهافت
لأن الذي بالطبع ليس له أن يفعل الضدين ، وأما في الأشياء التي نحس أنها تتحرك دائما فإنه يحتاج إلى برهان . وأما ما وضع أيضا في هذا القول من أن المتحرك من ذاته فهو متحرك عن مبدأ فيه : إما عن مبدأ يسمى طبيعة ، وإما عن مبدأ يسمى نفسا واختيارا ، فصحيح إذا تبين أنه ليس هاهنا شيء متحرك من ذاته . وإما ما وضع فيه من أن المبدأ الذي يسمى طبيعة فإنه ليس يتحرك من ذاته في المكان إلا إذا كان في مكان غير ملائم له ، فإنه يتحرك إلى المكان الملائم له ويسكن فيه فحق . وإما ما وضع أيضا فيه من أن المتحرك دورا ليس له مكان غير ملائم وملائم ينتقل من أحدهما إلى الثاني ، لا لكله ولا لأجزائه فقريب من البيّن بنفسه ، وتقرير ذلك قريب وقد ذكر في هذا القول طرف من تقريره وتبينه ولذلك يجب ألا يكون متحركا بالطبع . إذا فهمنا من الطبع هذا المعنى الذي تقرر وجوده . وكذلك ما وضع فيه أنه إذا لم يكن متحركا بالطبع فهو يتحرك عن نفس أو قوة تشبه النفس ، فإنه يظهر أن النفس في الأجرام السماوية ليس يقال اسم النفس عليها إلا باشتراك ، وأكثر ما تطلق الحكماء اسم الطبيعة على كل قوة تفعل فعلا عقليا أي جاريا مجرى الترتيب والنظام الذي في الأشياء العقلية ، لكن نزهوا السماء عن مثل هذه القوة لكونها عندهم هي التي تعطي هذه القوة المدبرة في جميع الموجودات . فهذا القول الذي حكاه هاهنا عن القدماء هو جدلي من جهة أنه أخذ فيه كثيرا ما هو نتيجة برهان على أنه معروف بنفسه ، ومن جهة أنه أخذ فيه مقابلا ما ليس بمقابل ، وهو جدلي من جهة أن مقدماته محمودة مشهورة ، وهذه الطريقة في بيان أن الجرم السماوي جرم متنفس هي طريقة ابن سينا . وأما القدماء فإن لهم في هذا المعنى طريقا هي أوثق من هذه وأبين . الاعتراض : قال أبو حامد : هو أن نقول : نحن نقرر ثلاثة احتمالات سوى مذهبكم . الأول : أن نقدر حركة السماء قهرا لجسم آخر مريد لحركتها يدبرها على الدوام وذلك الجسم المحرك لا يكون كرة ، ولا يكون محيطا فلا يكون سماء ، فيبطل قولهم أن حركة